قد يتعرض المسلم في حياته اليوميةِ لكثيرٍ من الأمور الغيبيةِ النتائج ، ويُقْدمُ على أمورٍ مجهولةِ العواقب
، لا يدري خيرَها من شَرِّها ونَفْعَها من ضُرِّها ، فيقع في حيرةٍ من أمره ، أيُقدم على هذا العمل أم لا ..؟ أيخطبُ تلك الفتاةِ أم لا ..؟ أيشاركُ هذا الرجلَ في أعماله وأسهمه الماليةِ أم لا ..؟ أيُطلق زوجته أم يبقيها في ذمته ..؟ أيدرُسُ هنا أو هناك ..؟ ماذا يعمل وماذا يذر ..؟ تراه يسأل القريبَ والبعيدَ والصغير والكبير ..؟ ويعيشُ في حالة من الصراع والتردي ويقعُ أسيرَ الخوف والهلعِ والقلقِ النفسي ويصيبُه الهم ويعتريه الغم ويغشاه الكرب وتتعطل حركتُه ويُشَلُّ تفكيره ، فلا يدري ماذا يفعل وماذا يصنع ..؟ أين يسير وكيف يخطوا .؟ أين يذهب ؟ وإلى أي اتجاهٍ يمضي ؟ وفي هذه الحالة عباد الله شرع الله لعباده عبادةً عظيمة وصلاةً مهمة جهلها كثير من الناس وتركوها وابتعدوا عنها وتغافلوها ، ألا وهي صلاة الاستخارة ، شرعها الله علاجا للترددِ وحلا للمشكلة ، لينقلبَ الترددُ ثباتا ، والشكُ يقينا فيستخيرَ العبدُ ربه الذي يعلم أنه القادرُ على كل شيء ، ليُصبحَ مطمئن النفس هادئَ البال راضيَ الضمير فيستسلمُ لربه ويطرحُ حاجتَه على عتبات بابه ويتوكلُ عليه ويُلقى إليه السلم ..
الاستخارة هي طلب الإرشاد إلى الخير ، ولما كان العبد ظلوما لنفسه ولغيره ، جهولا في الغيب مترددا
في التصرفات ، كان لا بد من التوكل على الله العليم الخبير ، فإذا همّ العبد بهمِّ أو عرضت عليه مسألةٌ أو خطرت بباله خاطرةٌ فأحَبَّ فعلها والقدومَ عليها ، فإنه يُسنُّ له أن يستخيرَ ربه جل وعلا العالمِ بكل شيء ، فيأتي بشروطِ النافلة ويصلي ركعتينِ بنيةِ الاستخارة لا يتلفظ فيها بنيةٍ لأن النيةَ مناطُها القلب ، ويدعوا بدعاء الاستخارة ، عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله يعلمنا الاستخارةَ في الأمور كلِّها كما يعلمنا السورةَ من القرآن ، يقول " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علامُ الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ ويسميه حاجته ] خيرٌ لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبةِ أمري ـ أو قال : عاجله وآجله ـ فاقْدُرْهُ لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر[ ويسمي حاجته ] شر لي في ديني ومعاشي وعاقبةِ أمري ـ أو قال : عاجله وآجله ـ فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقْدُر لي الخيرَ حيثُ كان ثم رضِّنِي به " [ رواه البخاري ]
روى الإمام أحمد وحسّنَ إسنادَه ابنُ حجر عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله قال " مِن سعادةِ ابن آدم استخارتُه الله " ويقولُ بعض السلف" ما خاب من استخار ، وما ندم من استشار " ويقول أحدهم " من أُعطِي أربعًا لم يُمنع أربعًا : من أُعطِي الشكرَ لم يُمنع المزيد ، ومن أعطي التوبةَ لم يُمنع القَبول ، ومن أعطي الاستخارةَ لم يمنع الخِيرة ، ومن أعطي المشورةَ لم يُمنع الصواب " ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله " ما ندم من استخارَ الخالق ، وشاورَ المخلوقين وتثبّت في أمره " عباد الله : الاستخارةُ دليلٌ على تعلّق قلبِ المؤمنِ بالله في سائر أحواله وهي ترفع الروحَ المعنويةَ للمستخير ، فتجعلَه واثقًا من نصر الله له ، وفيها تعظيمٌ لله وثناءٌ عليه ، وهي مخرجٌ من الحيرة والشك ، ومدعاةٌ للطمأنينة ، وراحةٌ للبال وامتثالٌ للسنة النبوية وتطبيقٌ لها ، وإن مما يُقال هنا : إن الأفضل أن يجمع الإنسان بين الاستخارةِ والاستشارة ، فإن ذلك من كمال الامتثال بالسنة كما قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يقول أحد السلف : مِن حق العاقلِ أن يُضيف إلى رأيه آراءَ العلماء ، ويجمعَ إلى عقله عقولَ الحكماء ، فالرأيُ الفذُّ ربّما زلّ ، والعقلُ الفردُ ربما ضلّ " ثم اعلموا أن من خير الأعمال في هذا اليوم العظيم الصلاةَ على نبيكم محمدٍ ......